ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي

113

الوشى المرقوم في حل المنظوم

والعبارة حينئذ تتركب بين وزن هو النظم للشعر ، وبين وزن هو سياقة الحديث ؛ وكل هذا راجع إلى نسبة صحيحة أو فاسدة . . . فإذا كان الأمر في هذه الحال على ما وصفنا فللنثر فضيلته التي لا تنكر ، وللنظم شرفه الذي لا يجحد ولا يستر ، لأن مناقب النثر في مقابلة مناقب النظم ، ومثالب النظم في مقابلة مثالب النثر ، والذي لا بدّ منه فيهما السلامة والدقة ، وتجنب العويص ، وما يحتاج إلى التأويل والتخليص . وقد قال بعض العرب : خير الكلام ما لم يحتج معه إلى كلام « 1 » . وفي عبارة أخرى يقول التوحيدي : « وفي الجملة ، أحسن الكلام ما رقّ لفظه ، ولطف معناه ، وتلألأ رونقه ، وقامت صورته بين نظم كأنه نثر ، ونثر كأنه نظم ، يطمع مشهوده بالسمع ، ويمتنع مقصوده على الطبع ؛ حتى إذا رامه مريغ حلّق ، وإذا حلّق أسفّ ، أعنى يبعد على المحاول بعنف ، ويقرب من المتناول بلطف » « 2 » . بل إن أبا حيان يؤكد في موضع آخر أن النثر والنظم يمثل كل منهما ظل الآخر « ومع هذا ففي النثر ظل النظم ، ولولا ذلك ما خف ولا حلا ولا طاب ولا تحلى ، وفي النظم ظل النثر ولولا ذلك ما تميزت أشكاله ، ولا عذبت موارده ومصادره ، ولا بحوره وطرائقه ، ولا ائتلفت وصائله وعلائقه » « 3 » . هذه الآراء السابقة على الضياء بن الأثير ترصد قضية قديمة ، شغلت - وظلت تشغل - الكثيرين من الكتاب والشعراء ؛ فلم يكن الضياء أول من أثارها ؛ إنما كان حلقة ضمن حلقات . بل إننا نجد من بعده من أفرد مساحات واسعة للخوض في هذه القضية ، وسبر أغوارها . يأتي في مقدمة هؤلاء القلقشندي في كتابه « صبح الأعشى في صناعة الإنشا » . ولم يقتصر زمن الصراع بين النثر والنظم على زمن بعينه ؛ إنما تعدى الأزمنة الغابرة إلى زماننا هذا ؛ فنجد صراعا مشتعلا بين ضروب من الشعر من ناحية ، وبين النثر والشعر من ناحية أخرى .

--> ( 1 ) السابق 138 و 139 . ( 2 ) السابق 145 ، وراجع تاريخ النقد الأدبي عند العرب / 221 و 222 . ( 3 ) نقلا عن بحث الكلام على الكلام : قراءة في فكر أبى حيان الأدبي للدكتور عصام بهى ، مجلة فصول ، المجلد 14 / العدد الثالث / خريف 1995 / 197 .